ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

60

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

أن تكون كلّم من الجرح : أي جرّح ، ولها ثلاثي وهو كلم مخففا : أي جرح ؛ فإذا وردت مخففة دلت على الجراحة مرة واحدة ، وإذا وردت مثقلة دلت على التكثير . وكذلك ورد قوله تعالى : ورتل القرآن ترتيلا فإن لفظة « رتّل » على وزن لفظة قتّل ، ومع هذا ليست دالة على كثرة القراءة ، وإنما المراد بها أن تكون القراءة على هيئة التأني والتدبر ، وسبب ذلك أن هذه اللفظة لا ثلاثي لها حتى تنقل عنه إلى رباعي ، وإنما هي رباعية موضوعة لهذه الهيئة المخصوصة من القراءة ؛ وعلى هذا فلا يستقيم معنى الكثرة والقوة في اللفظ والمعنى إلا بالنقل من وزن إلى وزن أعلى منه ، فاعرف ذلك . ومن هاهنا شذ الصواب عمن شذ عنه في عالم وعليم ؛ فإن جمهور علماء العربية يذهبون إلى أن عليما أبلغ في معنى العلم من عالم ، وقد تأمّلت ذلك وأنعمت نظري فيه ، فحصل عندي شك في الذي ذهبوا إليه ، والذي أوجب ذلك الشك هو أنّ عالما وعليما على عدة واحدة ؛ إذ كل منهما أربعة أحرف ، وليس بينهما زيادة ينقل فيها الأدنى إلى الأعلى ، والذي يوجبه النظر أن يكون الأمر على عكس ما ذكروه ، وذاك أن يكون عالم أبلغ من عليم ، وسببه أن عالما اسم فاعل من علم ، وهو متعد ، وأن عليما اسم فاعل من علم ، إلا أنه أشبه وزن الفعل القاصر ، نحو شرف فهو شريف ، وكرم فهو كريم ، وعظم فهو عظيم ؛ فهذا الوزن لا يكون إلا في الفعل القاصر ؛ فلما أشبهه عليم انحط عن رتبة عالم الذي هو متعد ؛ ألا ترى أن فعل - بفتح الفاء وكسر العين - يكون متعديا نحو علم وحمد ، ويكون قاصرا غير متعد نحو عضب وشبع ، وأما فعل - بفتح الفاء وضم العين - فإنه لا يكون إلا قاصرا غير متعد ، ولما كان فعل - بفتح الفاء وكسر العين - مترددا بين المتعدي والقاصر ، وكان فعل - بفتح الفاء وضم العين - قاصرا غير متعد ؛ صار القاصر أضعف مما يدور بين المتعدي والقاصر ، وحيث كان الأمر كذلك ، وأشبه وزن المتعدي وزن القاصر ؛ حطّ ذلك من درجته ، وجعله في الرتبة دون المتعدي الذي ليس بقاصر ، هذا هو الذي أوجب لي التشكيك فيما ذهب إليه غيري من علماء العربية ، ولربما كان ما ذهبوا إليه لأمر خفي عني ولم أطلع عليه .